السيد محمد باقر الصدر

مقدمة 210

المعالم الجديدة للأصول ( طبع جديد )

مستقلّةٍ نجد أنّ سلوك الفرد المتديّن الواحد في عصر التشريع يعتبر قرينة إثباتٍ ناقصة عن صدور بيانٍ شرعيٍّ يقرِّر ذلك السلوك ؛ لأنّنا نحتمل استناد هذا السلوك إلى البيان الشرعي ، وإنّ كنّا نحتمل في نفس الوقت أيضاً الخطأ والغفلة وحتى التسامح . فإذا عرفنا أنّ فردين في عصر التشريع كانا يسلكان نفس السلوك ويصلّيان الظهر - مثلًا - في يوم الجمعة ازدادت قوة الإثبات . وهكذا تكبر قوة الإثبات ؛ حتّى تصل إلى درجةٍ كبيرةٍ عندما نعرف أنّ ذلك السلوك كان سلوكاً عاماً يتّبعه جمهرة المتديّنين في عصر التشريع ، إذ يبدو من المؤكّد حينئذٍ أنّ سلوك هؤلاء جميعاً لم ينشأ عن خطإٍ أو غفلةٍ أو تسامح ؛ لأنّ الخطأ والغفلة والتسامح قد يقع فيه هذا أو ذاك ، وليس من المحتمل أن يقع فيه جمهرة المتديّنين في عصر التشريع جميعاً . وهكذا نعرف أنّ السلوك العامّ مستند إلى بيانٍ شرعيٍّ يدلّ على إمكان إقامة الظهر في يوم الجمعة ، وعدم وجوب الخمس في الميراث . ولأجل هذا نعتبر سيرة المتشرِّعة دليلًا استقرائياً كالإجماع والشهرة ، وهي في الغالب تؤدّي إلى الجزم بالبيان الشرعي ضمن شروطٍ لا مجال لتفصيلها الآن . ومتى كانت كذلك فهي حجّة ، وأمّا إذا لم يحصل منها الجزم فلا اعتبار بها . السيرة العقلائية : وهناك نوع آخر من السيرة يطلق عليه في علم الأصول اسم « السيرة العقلائية » . والسيرة العقلائية : عبارة عن ميلٍ عامٍّ عند العقلاء - المتديّنين وغيرهم - نحو سلوكٍ معيّنٍ دون أن يكون للشرع دور إيجابي في تكوين هذا الميل . ومثال ذلك : الميل العامّ لدى العقلاء نحو الأخذ بظهور كلام المتكلّم . وفي هذا الضوء نعرف أنّ السيرة العقلائية تختلف عن سيرة المتشرّعة ، فإنّ سيرة المتشرّعة التي درسناها آنفاً كانت وليدة البيان الشرعي ، ولهذا تعتبر كاشفةً